قراءات في الصراع السياسي على هامش ثورة أكتوبر

العملية السياسية التي جرت بعد اعلان استقلال السودان في عام ١٩٥٦ شهدت صراعا مبكرا تمخض عنه سحب الثقة عن حكومة الأزهري اول حكومة سودانية منتخبة ، و ذلك بعد أقل من عام من إعلان الاستقلال ، و قد كان لهذا الفعل أثره العميق في تأجيج الصراع السياسي في دولة وليدة غضة الأهاب مازالت تتلمس خطواتها في طريق الاستقلال .
الانتخابات العامة التي أجريت بعد سنة من الاطاحة بحكومة الأزهري افرزت حكومة جديدة منتخبة بقيادة الاميرلاي عبدالله خليل ، و لكن الحكومة الجديدة لم تسلم ايضا من الصراع السياسي ، و هو ما أدى إلى قيام رئيس الوزراء عبدالله خليل بتسليم السلطة لقيادة القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق ابراهيم عبود . كان عبدالله خليل يظن انها أمانة في عنق العسكر ريثما تصفو الساحة و تعود بعدها الديمقراطية لتواصل الإبحار، و لكن هيهات ، فالصراع على السلطة ليس حكرا على المدنيين ، و هكذا دخل العسكر للصراع السياسي في السودان من الباب الواسع ، و واصل عبود الحكم و لم يجد عبدالله خليل نفسه الا مسجونا في أقاصي السودان .
باستلام السلطة بواسطة الفريق ابراهيم عبود دخلت البلاد مرحلة جديدة كلية في تاريخها الحديث ، اتسمت بالحكم العسكري الأحادي، اقدم نظام عبود على حل الأحزاب السياسية و النقابات و منع صدور الصحف سوي صحيفة النظام الرسمية ، و هذه الممارسات مثلت أكبر نكسة في التاريخ السياسي للوطن في تلك الفترة المبكرة من الاستقلال ، حيث مثلت ردة كبيرة عن التعددية و الديمقراطية التي عاشها الوطن في آخر سنين الاستعمار و اول سنين الاستقلال ، كما فتحت تجربة حكم عبود العسكرية الباب واسعا في المستقبل السياسي لتجارب حكم عسكري أكثر تعديا على الحريات و الممارسة السياسية .
لم يكن نظام عبود انقلابا عسكريا منطلقا من داخل القوات المسلحة يستهدف تقويض الحكم الديمقراطي المنتخب ، و إنما كان مولودا شرعيا للصراع السياسي و الخلافات العميقة بين التنظيمات السياسية السودانية ، لذلك ولد نظام عبود العسكري عبر تسليم و تسلم بين قمة النظام الديمقراطي ممثلا في رئيس الوزراء عبدالله خليل و قمة القوات المسلحة ممثلة في الفريق ابراهيم عبود القائد العام لقوات الشعب المسلحة .
هذا المسلك المبكر في العملية السياسية السودانية كان مؤشرا خطيرا لما سيكون عليه حال الوطن و مستقبل العمل السياسي ، اذ بالفعل ، استمر الصراع السياسي الذاتي بين الأحزاب و التنظيمات السياسية السودانية طيلة التاريخ الوطني السياسي معرقلا لكل خطوات توحيد الأمة و استدامة الحكم الديمقراطي و احلال العدالة و السلام .
انتفض الشعب على نظام عبود في ثورة أكتوبر الخالدة عام ١٩٦٤ و كان بذلك أول شعب في المنطقة العربية و الأفريقية يطيح بالحكم العسكري ، كان المأمول ان يغلق الحكم المنبثق عن ثورة اكتوبر إلى الابد باب الانقلابات ، و كان المتوقع أن تتعلم الأحزاب و التنظيمات السياسية الدرس من تجربة الصراع الذي قاد إلى حكم عبود العسكري ، و لكن الأحزاب السياسية استمرت في صراعها العبثي و انصرفت عن حماية الديمقراطية و ترسيخ مبادئها داخل الوعي الشعبي و داخل الكيانات و المنظومات السياسية إلى صراع عبثي يقدم الذاتي على العام ، و الحزبي على الوطني ، فكانت النتيجة انقلابا عسكريا ثانيا بقيادة العقيد جعفر نميري و بدعم قوي من الحزب الشيوعي السوداني الذي تعرض خلال الحكم التعددي الديمقراطي إلى إقصاء مهين بواسطة التنظيمات السياسية الاخرى من الجمعية التأسيسية .
واصل نظام النميري ما بدأه نظام عبود من قهر و تسلط و حاول بشتى السبل القضاء على الأحزاب السياسية و لكنه لم يفلح، رغم أن الأحزاب السياسية معطوبة و سببا في ضياع الديمقراطية الا انها وقفت متحدة في كثير من الاحيان ضد الطغاة و ظلت على الدوام عصية على التذويب بواسطة الات الترهيب و الترغيب التي يستخدمونها ، لهذا جاءت ثورة أبريل فتية و أقتلعت نظام السفاح نميري .
الديمقراطية الثالثة لم تنجو من الصراع السياسي بين الاحزاب ، و كان للاسلامين القدح المعلى في هذا الصراع ، يؤججون النيران و ينفخونها ، حتى اشتعلت اثواب الديمقراطية فوثبوا عليها ذات ليل بهيم ، و ظلوا في غيهم سادرين حتى أتاهم خبر الشعب في ديسمبر ، فاحال نهارهم ليلا و نشوتهم حسرة .
الآن على ذكر الاحتفال بثورة أكتوبر، يلزم جميع الأحزاب السياسية ان تنتبه إلى الوطن ، و أن تتجاوز الانقلابات و الصراعات العبثية اذا أرادت المضي قدما بالوطن نحو بلد يشار إليه بالبنان . العودة مجددا إلى الصراع هذه المرة لن يكون نهايته الا نهاية وطن اسمه السودان .
sondy25@gmail.com