الشباب السوداني “جيل بلا وطن” بين جبهات القتال ومعسكرات اللجوء

في أطراف المدن المنهكة بالعنف والرصاص، وجبهات القتال ، وفي المعسكرات العابرة للحدود، نبكي على ملامح جيلٍ سودانيٍ تتقاذفه رياح الحرب والسلاح، وتنكمش آماله بين رصاص الداخل وبؤس المعسكرات. جيلٌ ترك مقاعد الجامعات والمدارس قسرًا، جيلٌ وُلد في ظل تحولات كبيرة وخطيرة ، لم يحصد من سنوات حكم النظام السابق واخطاء السياسيين إلا المآسي والخراب، نشأ في كنف الأزمات، ويقف اليوم عند مفترق طرق وعرة بين نيران القتال والمنافي. هل ما زال له وطن يحلم أن يعود إليه؟ لم يكن الشباب السوداني يومًا بعيداً عن الشأن الوطني، بل كان دومًا في طليعة الحراك السياسي والاجتماعي، من انتفاضة أكتوبر إلى ثورة ديسمبر المجيدة. لكن التحوُّل من ساحات الاحتجاج إلى ساحات القتال أو معابر اللجوء، شكّل تحوُّلًا مأساويًّا في مستقبل هذا الجيل. ففي الوقت الذي كان يُفترض أن يُسهِم في إعادة بناء الوطن، وجد الكثيرون أنفسهم مجندين في معارك ، وواجب الدفاع عن بقاء وطنهم، أو لاجئين على أعتاب المجهول. وتزايد موجات اللجوء في صفوف الشباب، ليس بسبب الحرب وحدها، بل نتيجة فقدان الأمل في الأمن والاستقرار. فبين انسداد الأفق السياسي في حل الازمة، وتدهور الاقتصاد، تدهور فرص التعليم والعمل، تحوّل الوطن إلى مساحة طاردة، لا تسع أحلامهم ولا طموحاتهم. وحين لا يجد الشاب مكانًا يحلم فيه داخل وطنه، يصبح الهروب ليس خيانة، بل بحثًا عن وطن بديل، عن كرامة، عن حياة ممكنة .في المقابل، ينخرط بعض الشباب في القتال، بدافع الحفاظ على بقاء الوطن. الخطورة هنا لا تكمن فقط في تحول الشباب إلى وقودٍ للحرب، بل في تطبيع العنف كمسار حياة، وفي ترسيخ فكرة أن البندقية قد تصنع المستقبل. المعادلة التي تواجه السودان اليوم قاسية ومخيفة إذا استمر الحال على ما هو عليه، فقد لا يكون هناك مستقبل لهذا الجيل، أو قد لا يكون هناك جيل قادر على بناء المستقبل. فالتعليم شبه متوقف منذ تدهور الاوضاع منذ بداية الثورة، والفرص تتبخر، والمحصلة نزيف بشري لشبابٍ كان يُنتظر منه بناء الوطن، السؤال هل يمكن استعادة الجيل؟ نعم، ولكن الأمر يتطلب أكثر من مجرد وقف إطلاق النار. إنه يتطلب إرادة وطنية شاملة لصياغة عقد الاجتماعي ، وللاستثمار في الشباب لا استغلالهم يتطلب خطابًا جامعًا لا إقصائيًا، دولة عادلة ، وشراكة حقيقية لا وصاية متجددة. الشباب السوداني لا يحتاج إلى من يُنقذه، بل إلى من يؤمن به فهل يفعلها الساسة؟ وهل يدرك المجتمع أن الوطن لا يُبنى دون شبابه؟ ومطلوب من الشباب المساعدة في الابتعاد عن خطاب الكراهية والتحلي بالمسؤولية الوطنية، وحسن الخطاب خاصة في الفضاء الالكتروني والمساعدة في عودة الوطن و السلام والاستقرار.